لعبة النفس الطويل.. من سيفرغ مخزونه من الصواريخ أولاً في حرب الشرق الأوسط ؟
دخلت منطقة الشرق الأوسط في "عنق زجاجة" عسكري غير مسبوق، حيث تتحول المواجهة الحالية من صراع إرادات إلى حرب استنزاف رقمية بامتياز. وتتسابق الولايات المتحدة وإسرائيل الآن مع الزمن لتحييد القدرات الباليستية الإيرانية، في محاولة يائسة لمنع "نضوب" مخزوناتهما من الصواريخ الاعتراضية فائقة التكلفة، وسط تساؤل استراتيجي ملح: من سيصرخ أولاً بسقوط آخر صاروخ من منصته؟
المحرقة الصاروخية: أرقام مرعبة خلف الدخان
على مدار الـ 48 ساعة الأولى من النزاع، تحولت سماء المنطقة إلى ساحة عرض للنيران؛ حيث أطلقت طهران قرابة 400 صاروخ وألف طائرة مسيرة، استهدفت عمق إسرائيل ودول الجوار. وفي المقابل، استنفرت واشنطن وتل أبيب ترسانتهما الأغلى ثمناً، من منظومات "ثاد" (THAAD) وآرو-3" وباتريوت"، لصد هجوم هو الأعنف في تاريخ الصراعات الحديثة.
ورغم تأكيدات رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كاين، بأن المنظومات تعمل "وفق المخطط"، إلا أن الخبراء يجمعون على أن الاستمرارية مرهونة بـ "لوجستيات المخزون". فالمعادلة العسكرية هنا مجحفة؛ إذ يتطلب اعتراض كل صاروخ باليستي إطلاق "صاروخين اعتراضيين" على الأقل لضمان الإصابة، مما يضع عبئاً لوجستياً ومالياً هائلاً على المدافع.
استهداف "الرامي" لا "السهام"
تدرك الدوائر العسكرية في واشنطن أن تدمير الصواريخ في الجو هو حل مؤقت ومكلف. لذا، انتقلت الاستراتيجية إلى "ضرب الرامي بدلاً من السهام"، عبر تعقب منصات الإطلاق المتحركة داخل الأراضي الإيرانية.
غير أن الباحث "إتيان ماركوز" يثير نقطة جوهرية حول تكتيكات طهران؛ فتدني كثافة الرشقات مؤخراً قد لا يعكس ضعفاً، بل هو "اقتصاد حرب" مدروس يهدف إلى استدراج الدفاعات الجوية لاستنفاد صواريخها التي تُنتج بمعدلات محدودة عالمياً (حوالي 96 صاروخ "ثاد" سنوياً فقط).
فجوة التصنيع والرهان على "الزمن"
بينما يمتلك الرئيس دونالد ترامب هامش مناورة بفضل التعزيزات الاستباقية، تظل الحقيقة الميدانية قاسية: المهاجم يتمتع دائماً بميزة "رخص الكلفة" و"غزارة الإنتاج". وبحسب تقارير استخباراتية، تمتلك طهران مخزوناً يتراوح بين مئات إلى ألفي صاروخ بعيد المدى، فضلاً عن آلاف الصواريخ قصيرة المدى من طرازي "شهاب-2" و"فاتح-313.
سيناريو "القدرة المتبقية"
يرى محللون أمنيون أن القضاء التام على التهديد الإيراني يبدو "أمنية بعيدة المنال". فكما صمد الحوثيون في اليمن لسنوات رغم القصف المركز، ستحتفظ طهران بـ "قدرة متبقية" تتيح لها ممارسة ضغط عسكري مستدام.
في نهاية المطاف، لن تُحسم هذه الحرب في السماء فقط، بل في مصانع الأسلحة التي تكافح لتعويض ما يتم استهلاكه في دقائق، مما يجعل الحل السياسي هو الصاروخ الوحيد الذي قد يوقف هذا النزيف فعلياً.