السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

الجمعة 02 يناير 2026 7:19 ص

حين تعجز اللغة المباشرة عن اختراق جدران العادات المتصلبة، وحين يصبح الوعظ ثقيلا على الاذن والعقل، تولد السخرية بوصفها فنا للقول غير المباشر، ولسانا يضحك ليبكي، ويخفي الجرح في ابتسامة. ليست السخرية ترفا بلاغيا، بل هي موقف فكري واخلاقي، وسلاح حضاري استخدمه الكتاب حين ضاقت بهم سبل الاصلاح الصريح. وفي تاريخ الادب يقف الجاحظ (160 ه/ 776 م _ 255 ه/ 869 م) وفولتير اسمه الحقيقي فرانسوا ماري ارويه (1694 م _ 1778 م) على ضفتين متباعدتين زمانا ومكانا، لكنهما يلتقيان في جوهر واحد: السخرية الاجتماعية باعتبارها مرآة للمجتمع، وحاضنة للعقل، وصرخة ضد التكلس والظلم.

السخرية ليست مجرد ضحك على الآخر، بل هي تفكيك للواقع عبر المفارقة. تقوم على قلب المتوقع، واظهار التناقض بين ما يقال وما يفعل، وبين الشعارات والممارسات.

في بعدها الاجتماعي، تتخذ السخرية وظيفة مزدوجة: نقد البنى السائدة من جهة، وحماية الكاتب من بطش السلطة او المجتمع من جهة اخرى. انها خطاب يمر من تحت الرقابة، ويصل الى العقول بضحكة، ثم يستقر في الضمير بوخزة.

الجاحظ ابن البصرة العباسية، عاش في عصر ازدهار فكري وصراع مذهبي واجتماعي حاد. كانت الاسواق تضج بالجدل، والقصور تعج بالسلطة، والمساجد تموج بالخلاف. في هذا المناخ كتب الجاحظ ساخرا بصيرا لا خطيبا واعظا، يراقب المجتمع من داخله، ويضحك من تناقضاته بذكاء لغوي لاذع. سخريته ليست صاخبة، بل تتسلل عبر الحكاية والطرفة والمثال. حين يكتب عن البخلاء، لا يكتفي بوصف البخل صفة فردية، بل يحوله الى ظاهرة اجتماعية تكشف علاقة الانسان بالمال، والخوف من الفقر، والتناقض بين الادعاء الديني والسلوك اليومي.

لغة الجاحظ اداة سخرية بحد ذاتها، فهو يكدس الحجج، ويطيل الاستطراد، ويغرق النص بالتفاصيل حتى ينقلب الجد الى هزل، والهزل الى نقد قاس. هذا الافراط المقصود يكشف عبث بعض السلوكيات، ويجعل القارئ شريكا في اكتشاف المفارقات. انه عقل معتزلي يؤمن بالمنطق، لكنه يدرك ان المنطق وحده لا يكفي، فيستعين بالضحك ليقنع.

لا يسخر الجاحظ من الفقراء لكونهم فقراء، ولا من الضعفاء لضعفهم، بل من الادعاء والرياء والجمود. سخريته اخلاقية في جوهرها، لانها تنحاز الى العقل والعدل.

حين يسخر من المتعصبين، فهو يدافع عن حرية التفكير، وحين يتهكم على المتشددين في فهم الدين، فهو يدعو الى فهم انساني رحب. انها سخرية الاصلاح من الداخل، وسخرية من يؤمن بالمجتمع ويريد انقاذه من نفسه، وفق رؤية الجاحظ الشخصية وقناعاته الفكرية.

على الضفة الاخرى، يقف فولتير في اوروبا القرن الثامن عشر، زمن الكنيسة المتسلطة والملوك المطلقين. عاش المنفى والسجن والمطاردة، فصاغ سخريته بمرارة شديدة، وحدة صريحة. واذا كان الجاحظ يبتسم وهو يكتب، فان فولتير يضحك ضحكة تحمل الغضب واليأس معا.

في اعماله السردية والفلسفية، يستخدم فولتير السخرية لتعريه التفاؤل الساذج، وفضح الاستبداد الديني والسياسي. يبني عوالم خيالية، لكنها في الحقيقة نسخ مكبرة من الواقع. المفارقة عنده حادة، شخصيات تؤمن بان كل شيء على ما يرام، بينما العالم من حولها ينهار. بهذا التناقض يحطم فولتير فكرة تبرير الشر باسم الحكمة الالهية او النظام الكوني.

سخرية فولتير ليست مجرد تقنية ادبية، بل هي مشروع تنويري. يسخر ليهدم، ثم يترك القارئ امام مسؤولية البناء. يهاجم التعصب والزيف، ويسقط الاقنعة عن رجال الدين الزائفين والحكام المستبدين. لغته واضحة، وجمله قصيرة، وطعناته مباشرة، لا يراوغ كثيرا، لان زمنه كان يتطلب الصدمة.

ومع ذلك، فان فولتير لا يدعي الطهارة المطلقة للانسان. انه يدرك هشاشته، ويسخر منها ايضا، لكنه يرى في العقل والعلم والاخلاق افقا للخلاص، ولو كان هذا الافق محفوفا بالتشاؤم.

على الرغم من اختلاف السياقين، يلتقي الجاحظ وفولتير في ايمان عميق بقدرة العقل، وفي شك دائم بالسلطات المطلقة. كلاهما يستخدم السخرية لكشف النفاق الاجتماعي، ويجعل القارئ يضحك ثم يفكر. الفرق هو ان الجاحظ يتحرك داخل نسيج ثقافي يسمح بالمراوغة والالتفاف، بينما يكتب فولتير في مواجهة مباشرة مع مؤسسات قمعية، فيكون صوته اعلى، وحدته اشد. والجاحظ اقرب الى المعالج الذي يصف الداء، ويبتسم ليطمئن المريض، وفولتير اقرب الى الجراح الذي يشق الجرح بلا مخدر، لكن الهدف واحد، انقاذ الانسان من جهله، وتحريره من خوفه.

تكشف المقارنة بينهما ان السخرية ليست حكرا على ثقافة بعينها، بل هي لغة كونية. تختلف الاقنعة، لكن الجوهر ثابت. في التراث العربي، السخرية كانت وسيلة للبقاء والتوازن، تداري الالم، وتحافظ على كرامة الانسان في وجه القهر. وفي التراث الاوروبي الحديث، السخرية صوت العقل المتمرد، واداة للثورة، واعادة صياغة للوعي الجمعي.

التعليقات

الأكثر قراءة

كاريكاتير

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر